أبي بكر الكاشاني
189
بدائع الصنائع
الحمى واصابته حمى أخرى عرف ذلك أو زال عنه ذلك المرض وجاءه مرض آخر فعليه كفارتان سواء كفر للأول أو لم يكفر في قول أبي حنيفة وأبى يوسف وعند محمد عليه كفارة واحدة ما لم يكفر للأول فان كفر للأول فعليه كفارة أخرى وسنذكر المسألة إن شاء الله في بيان المحظور الذي يفسد الحج وهو الجماع بان جامع في مجلسين مختلفين ولو جرح له قرح أو أصابه جرح وهو يداويه بالطيب فخرجت قرحة أخرى أو أصابه جرح آخر والأول على حاله لم يبرأ فداوى الثاني فعليه كفارة واحدة لان الأول لم يبرأ فالضرورة باقية فالمداواة الثانية حصلت على الجهة التي حصلت عليها الأولى فيكفيه كفارة واحدة ولو حصره عدو فاحتلج إلى لبس الثياب فلبس ثم ذهب فنزع ثم عاد فعاد أو كان العدو لم يبرح مكانه فكان يلبس السلاح فيقاتل بالنهار وينزع بالليل فعليه كفارة واحدة ما لم يذهب هذا العدو ويجئ عدو آخر لان العذر واحد والعذر الواحد لا يتعلق باللبس له الا كفارة واحدة والأصل في جنس هذه المسائل انه ينظر إلى اتحاد الجهة واختلافها لا إلى صورة اللبس فان لبس المخيط أياما فإن لم ينزع ليلا ولا نهارا يكفيه دم واحد بلا خلاف لان اللبس على وجه واحد وكذلك إذا كان يلبسه بالنهار وينزعه بالليل للنوم من غير أن يعزم على تركه لا يلزمه الا دم واحد بالاجماع لأنه إذا لم يعزم على الترك كان اللبس على وجه واحد فان لبس يوما كاملا فأراق دما ثم دام على لبسه يوما كاملا فعليه دم آخر بلا خلاف لان الدوام على اللبس بمنزلة لبس مبتدأ بدليل انه لو أحرم وهو مشتمل على المخيط فدام عليه بعد الاحرام يوما كاملا يلزمه دم ولو لبسه يوما كاملا ثم نزعه وعزم على تركه ثم لبس بعد ذلك فإن كان كفر للأول فعليه كفارة أخرى بالاجماع لأنه لما كفر للأول فقد التحق اللبس الأول بالعدم فيعتبر الثاني لبسا آخر مبتدأ وان لم يكفر للأول فعليه كفارتان في قول أبي حنيفة وأبى يوسف وفى قول محمد عليه كفارة واحدة وجه قول محمد انه ما لم يكفر للأول كان اللبس على حاله فإذا وجد الثاني فلا يتعلق به الا كفارة واحدة وإذا كفر للأول بطل الأول فيعتبر الثاني لبسا ثانيا فيوجب كفارة أخرى كما إذا جامع في يومين من شهر رمضان ولهما انه لما نزع على عزم الترك فقد انقطع حكم اللبس الأول فيعتبر الثاني لبسا مبتدأ فيتعلق به كفارة أخرى والأصل عندهما أن النزع على عزم الترك يوجب اختلاف اللبستين في الحكم تخللهما التكفير أولا وعنده لا يختلف الا إذا تخللهما التكفير ولو لبس ثوبا مصبوغا بالورس أو الزعفران فعليه دم لان الورس والزعفران لهما رائحة طيبة فقد استعمل الطيب في بدنه فيلزمه الدم وكذا إذا لبس المعصفر عندنا لأنه محظور الاحرام عندنا إذ المعصفر طيب لان له رائحة طيبة وعلى القارن في جميع ما يوجب الكفارة مثلا ما على المفرد من الدم والصدقة عندنا لأنه محرم باحرامين فادخل النقص في كل واحد منهما فيلزمه كفارتان والله أعلم بالصواب * ( فصل ) * وأما الذي يرجع إلى الطيب وما يجرى مجراه من إزالة الشعث وقضاء التفث اما الطيب فنقول لا يتطيب المحرم لقول النبي صلى الله عليه وسلم المحرم الأشعث الأغبر والطيب ينافي الشعث وروى أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وعليه مقطعان مضمخان بالخلوق فقال ما أصنع في حجتي يا رسول الله فسكت النبي صلى الله عليه وسلم حتى أوحى الله إليه فلما سرى عنه قال صلى الله عليه وسلم أين السائل فقال الرجل أنا فقال اغسل هذا الطيب عنك واصنع في حجتك ما كنت صانعا في عمرتك وروينا ان محرما وقصت به ناقته فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا تخمروا رأسه ولا تقربوه طيبا فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا جعل كونه محرما علة حرمة تخمير الرأس والتطيب في حقه فان طيب عضوا كاملا كالرأس والفخذ والساق ونحو ذلك فعليه دم وان طيب أقل من عضو فعليه صدقة وقال محمد يقوم ما يجب فيه الدم فيتصدق بذلك القدر حتى لو طيب ربع عضو فعليه من الصدقة قدر قيمة ربع شاة وان طيب نصف عضو تصدق بقدر قيمة نصف شاة هكذا وذكر الحاكم في المنتقى في موضع إذا طيب مثل الشارب أو بقدره من اللحية فعليه صدقة وفى موضع إذا طيب مقدار ربع الرأس فعليه دم أعطى الربع حكم الكل كما في الحلق وقال الشافعي في قليل الطيب وكثيره دم لوجود الارتفاق ومحمد اعتبر البعض بالكل والصحيح ما ذكر في الأصل لان تطييب عضو كامل ارتفاق كامل فكان